عبد الملك الجويني

140

الشامل في أصول الدين

المعدوم ، وهما مثلان . وكذلك إرادة الباري تعالى على أصلكم ، تماثل إرادة الواحد منا ، إذا تعلقا بمتعلق واحد ، مع مصيرهم إلى القول باستحالة قيام إرادة اللّه تعالى بمحل ، واستحالة قيام إرادتنا لا بمحل . فقد أريناهم على قضية أصولهم مجتمعين في الأخص ، مختلفين في بعض الأوصاف . فإن تعسف متعسف وزعم : أن إرادة الواحد منا ، لا تماثل إرادة اللّه . كان ذلك باطلا على مقتضى أصلهم . وسبيل تقريب القول فيه أن نقول : نراجع هؤلاء في أخص وصف إرادتنا ، فلا يمكنهم أن يقولوا : أخص وصفها قيامها بالمحل ، إذ القيام بالمحل ، يثبت لجملة الأعراض مع اختلاف أجناسها ، فلا بد أن يقولوا : ( إن أخص وصف إرادتنا ، كونها إرادة لشيء معلوم ، ومراد معين . فيلزمهم على طرد ذلك أن يقولوا ) : إذا تعلقت إرادة اللّه تعالى بعين ما تعلقت به إرادتنا ، فقد اشتركتا في الأخص ، وإن لم يقولوا ذلك ، نقضوا أصلهم ، وهذا ما لا مهرب لهم منه . ومما نستدل به على القائلين بأن التماثل في سائر الأوصاف معلل بالاجتماع في الأخص أن نقول : تماثل المتماثلان حكم واحد وقضية واحدة لا تختلف من حيث هي متماثلة ، إذ مماثلة السواد السواد في حكم مماثلة البياض البياض . ولا يختلف وصف التماثل ، كما لا يختلف وصف الوجود في الموجودات ، وإن اختلفت صفاتها بعد الاجتماع في حقيقة الوجود . فإذا ثبت ذلك أسندنا إليه ما نلتمسه وقلنا : معاشر المعتزلة خبرونا عن علة تماثل السوادين ؟ فإن زعموا أنهما تماثلا للوجود ، أو للحدوث ، أو لكونهما عرضين ، أو لونين ، كان ذلك باطلا . إذ لا وصف من هذه الأوصاف ، إلا ويسوغ تقدير اشتراك المختلفين فيه . وإن زعموا أن السواد يماثل السواد لكونه سوادا ، والتماثل معلل بهذا الوصف ، فيلزمهم أن يقولوا : لا يماثل البياض البياض ، إذ ليس بسواد . وإن زعموا أن المماثلة بين البياضين تثبت لكل واحد منهما بياضا ، فقد أثبتوا حكما واحدا ، لا تختلف حقيقته ، معللا بعلل مختلفة ، ولو جاز ذلك ، جاز أن يعلل كون العالم عالما بالعلم مرة وبالقدرة بأخرى . فإن قالوا : هذا الذي قلتموه غير سديد ، فإن من أصلكم أن كون الباري عالما معلل بالعلم ، كما أن [ كون ] الواحد منا عالما معلل به ، ثم قلتم : علم الباري سبحانه وتعالى خلاف لعلمنا ، فإن لم يبعد ذلك منكم ، فلا تستبعدوه منا في أحكام التماثل . فالجواب عن ذلك أن نقول : كون العالم عالما ، معلل بالعلم عندنا شاهدا وغائبا .